رشا كناكرية – تعود نادين (28 عاما) بذاكرتها إلى قبل سنتين من الآن، حين احبت شخصا وتعلقت به رغم الاختلافات الكبيرة بينهما، وارتبطت به رسميا ولكنها لم تعلم أنها بداية لمرحلة ستغير حياتها، فقد قادها هذا الحب لتعيش حالة نفسية صعبة ما تزال تتعافى من آثارها حتى اليوم.
“التعلق المرضي” بهذا وصفت نادين التي عانت منه خلال السنة التي عاشتها برفقة من أحبت، وكما يدمن الإنسان على القهوة والتدخين فهو مشابه لأن تدمن على شخص تحبه فهذه العلاقة سببت لها الأذى النفسي والصحي كما يفعل الادمان بصاحبه.


وتحدثت نادين عن الفترة التي مرت بها وهذا الأمر يحتاج لشجاعة كبيرة منها، وبدأت بالصورة النمطية التي كونها هذا الشخص عن نفسه داخلها واتسمت بالانانية إذ زرع في داخلها أنه يحبها وأن لا أحد يشبهها، وبالمقابل كان يشعرها بأنها أقل منه دائما، وهو المسيطر عليها في كل شيء.
ومع مرور الوقت أصبحت تشعر بالرعب من فكرت خسارته وأصبح لديها خوف من فكرة العيش من دونه، رغم كل صفاته المؤذية، وتقول “كيف سأعيش من غيره أو أشعر بالتوازن من دونه؟ هذه الاسئلة سيطرت على تفكير نادين والخوف جعلها تقدم العديد من التنازلات لأمور أساسية في حياتها فقط لكي لا تخسره ولتستمر في هذه العلاقة.
وبعد تنازل نادين عن عملها من أجل ارضائه أصبح محور الكون في حياتها وفقدت الرؤية لأي أمر آخر بالحياة، ما أدخلها في حالة نفسية صعبة من الأرق وقلة التغذية ما قادها لمراحل أولية من الاكتئاب.
“هذا المرض صعب وليس من السهل الخروج منه.. وبالأساس كيف يفهم الإنسان أنه يعاني منه” تقول نادين ولكن كثرة القلق والخلافات التي عاشتها جعل المرض واضحا عليها بجسدها الهزيل وتفكيرها الدائم به وقد وصلت لمرحلة نهائية تريد فيها فقط الخلاص.
وتشير نادين أن هذه العلاقة ادخلتها في خلافات مع عائلتها واصدقائها من أجله وفي ذات الوقت أصبحت غير قادرة على عيش حياة طبيعية وهذه الأمور جمعيها جعلها تدرك أن هنالك أمرا خاطئا في حياتها وانها تسير في طريق مظلم. اعتراف الفرد لنفسه هو نقطة البداية لنهاية هذا المرض، وطوق النجاة الذي ساعد نادين في الخروج من هذا المرض برفقة أصدقائها ووالديها. تقول “عاندت بالبداية ولكن لم يتخلوا عني وتحملوا كل شيء معي”، مبينة أن أحد أهم الأسباب الذي يجعل الفرد يستيقظ من هذا “الوهم” ويقف على قدميه ويدرك المرض هم الأشخاص الذين حوله الذين يحبونه ويريدون مصلحته والخير له من قلبهم.
استعادت قوتها بعد ما يقارب العامين لتتشافى كما تقول، واقتنعت انها قادرة على أن تعيش من دونه وفي ذات الوقت الأمور التي كانت تسبب لها الضغوطات انتهت من حياتها، “على الإنسان أن يفكر في نفسه ليقف على قدمية من جديد”. وخلال هذه المرحلة ابتعدت عن كل ما يتعلق به ومسحت الصور التي جمعتهما وابتعدت عن كل مكان يذكرها به وتقربت من أشخاص يحبونها، وبقيت مع أشخاص يشعرونها بالأمان.
علماء النفس يعتبرون التعلق المرضي “اضطرابا نفسيا” يعاني منه بعض الأفراد الذين يختبرون سلوكات قهرية، أبرزها إظهار اعتماد غير صحي على الآخرين لتلبية احتياجاتهم العاطفية.
ووفق ما نشر على موقع “سكاي نيوز” عن أسباب التعلق المرضي يرجح مؤسس نظرية التعلق عالم النفس جون بولبي أنه قد يكون نتيجة اضطراب نفسي يتضمن مشكلات كامنة في مرحلة الطفولة، كالإساءة الجسدية والعاطفية نتيجة مشاكل الهجر أو الشعور بالوحدة أو عدم الأمان.
وتشير الدراسات الحديثة إلى تزايد حالات التعلق المرضي بين الأشخاص الذين يعانون في صمت، حيث تنتابهم مشاعر الخوف والغضب والألم أو الخزي التي يتم تجاهلها.
يوضح مركز كوشناخت لعلاج اضطراب التعلق المرضي في سويسرا عددا من الأعراض التي تظهر على المصابين به منها تدني احترام الذات وانعدام الثقة بالنفس، وصعوبات في اتخاذ القرارات وتعريف المشاعر. بالإضافة إلى مشكلات في التواصل مع الآخرين، والخوف من الهجر، والسيطرة الشديدة على الآخرين، وإهمال الاحتياجات الشخصية، وشعور مزمن بالملل والخواء، إلى جانب التفكير في الشريك باستمرار أو التحدث عنه، وإرسال رسائل نصية في كل الأوقات.
ومن الجانب النفسي تبين الاختصاصية عصمت حوسو أن الفرق بين التعلق والحب كبير، فالتعلق سلوك والحب مشاعر، والإنسان في الحب الحقيقي يعطي ويأخذ بتبادلية مع الشريك ولو قدم له أكثر لا ينتظر مقابل ذلك، بينما في سلوك التعلق فهو يحتاج إلى أخذ على قدر العطاء بمعنى على كل سلوك يفعله يريد مقابلا فوريا، لذلك يرهق نفسه والطرف الآخر.
وتوضح حوسو أن الإنسان المصاب بالتعلق المرضي يعتقد أنه واقع في “وهم الحب” مبينة أن الحب يصعد الإنسان للأعلى على عكس الإدمان السلوكي.
وتتابع أن الإنسان عندما يتعلق بشخص ينسى كل إنجازاته وحياته وكل ما يحدث ويصبح يعتمد في سعادته بكل أمر عليه، لذلك قد ينفر الاخر منه، وهذا فارق كبير بين مشاعر الحب الطبيعية المتبادلة بين شخصين.
وتشير حوسو إلى أن التعلق المرضي يصيب الجنسين، ولكن المرأة بشكل أكثر لأن حاجتها للعواطف أكثر، مبينة “للأسف المرأة تربت بأنها كيان ناقص ولا يكملها الا وجود شخص في حياتها وعند حضور هذا الشخص الذي يملأ هذا النقص تتعلق به فورا ويصبح هنالك إدمان سلوكي على وجوده ليكون محور حياتها”.
وتفسر حوسو أن هذا التعود اليومي بهذه الطريقة يزيد نسبة التعلق المرضي ويوقع الإنسان في اضطرابات سلوكية ونفسية كثيرة، لينسى ما لديه من إنجازات ويصبح وجوده وكينونته فقط مرتبط بالآخر.
وتمر الفتيات بمراحل يشعرن فيها بأن الإنجاز والنجاح وما وصلن له من مناصب وكل شيء لا يعتبر شيئا نهائيا مع عدم وجود شخص يكمل حياتهن، وفق حوسو، وهنا تكمن المشكلة، فوجود الآخر مهما ولكن لا يلغي قيمتها وكينونيتها كأنثى، فالبعض يتجاوزن عن العنف والأذى متوهمات انه أمل الحب.
وتؤكد حوسو أن الشخص قادر على أن يخرج من هذه الحالة إذا كانت الأعراض بسيطة، وذلك إذا امتلك إرادة ووعي لأخذ القرار الناضج، فهو قادر على مساعدة نفسه، ولكن في حالة غياب هذا الوعي يجب اللجوء لمختص لكي يعلمه ويرشده على الطريقة الصحيحة ليطور من مهاراته وادواته، بحيث يستطيع أن يقلل من اعتماده السلوكي والعاطفي على أحدهم ويحدد مصادر سعادته بحيث يعتمد على نفسه.
وتذكر حوسو أن الأعراض التي تدل على الإصابة بالتعلق المرضي هو ان يكون الآخر محور التفكير على مدار الساعة، ويعتبر الشخص نفسه غير موجود طالما الآخر لا يتواصل معه، موضحة أن أعراض حالة التعلق متشابهة مع الوسواس القهري ويعالج كما يعالج الوسواس وفي بعض الأحيان قد يحتاج ذلك لعلاج دوائي من قبل طبيب نفسي أو إلى علاج نفسي وسلوكي.
وتشير حوسو إلى أن التخلص من هذا المرض يصبح أسهل إذ تم الاعتراف به، وبأن المرء بات مرهقا ومتعبا، وتعطلت حياته وقلت انتاجيته وتأثرت شبكة علاقاته الاجتماعية وأن يقتنع ويدرك أن الذي يفعله مؤذ له، ويطلب المساعدة من شخص مختص.
وتشدد حوسو على أن لكل حالة خصوصيتها “وما يصلح لشخص لا يصلح لآخر” فكل حسب ظروفه وشبكة الدعم المحيطة به، ولكن الأهم هو الادراك بأنه مرهق ويطلب المساعدة من مختص.
وتعتقد حوسو انه في حالات التعلق المرضي يرتفع لدى الشخص هرمون الدوبامين الذي يسبب سعادة مؤقتة وعندما ينخفض هذا الهرمون يدخل في حالة اكتئاب وإرهاق وقد يلجأ لمواد أخرى حتى يرفع هذا الهرمون، وهنا تبدأ سلسلة الانكسارات والمأساة، وكل ما هو مؤذ.

JoomShaper